عبد الملك الجويني
216
الشامل في أصول الدين
وهذا واضح لا مهرب منه ، ولم نبسط قولنا فيه اكتفاء منا بما قدمناه في حدث العالم . وقد ينتهي الغلاة من المجسمة إلى أن يقولوا : القديم متصوّر متشكل وهو على صورة آدم عليه السلام ، ومن انتهى به الجهل إلى هذا المنتهى ، لم يأمن أن يكون بعض من يلقاه في الطرق آلهة . وهذا هو الكفر الصراح ، والاسترابة في المعبود ، وإثباته على وجه يلتبس بالصور والأشكال ، أعاذنا اللّه من الضلالات ، وهدانا لطرق الرشاد . ومما نستدل به على المجسمة أن نقول : إذا زعمتم أن القديم تعالى محدود ، فلا تخلون : إما أن تصفوه بكل حدّ ، وإما أن تصفوه ببعض الحدود . فإن وصفتموه بكل حد ، كان باطلا بضرورة العقل . فإن الحدود متناقضة متنافرة ، لا يجوز تقدير اجتماعها . فإن من الحدود القصر ومنها الطول ، واجتماعهما محال ، ووضوح ذلك يغني عن بسطه . وإن زعموا أنه مختص ببعض الحدود ، وهذه قضية أصلهم ، فإنهم قالوا : هو على مقدار العرش . ومنهم من يقول : إنه أصغر من قدر العرش ، ولكنه أرزن منه . فإذا خصصوه بحد ، تعالى اللّه عن قولهم ، قيل لهم : ليس بعض الحدود في المعقول أولى من بعض ، بل جميعها في التجويز بمثابة واحدة ، فيلزم من الاختصاص ببعضها الافتقار إلى مخصص . وأصل هذا الاعتبار سائر أجسام العالم ، فإنها لما اختصت بأقدار وحدود ، وجاز في العقل تقديرها على غير ما هي عليه من حدودها ؛ فنعلم بذلك افتقارها إلى المدبر والمقدر . فإن قالوا : بم تنكرون على من يزعم أن الذي ذكرتموه ينعكس عليكم في سائر صفات الإله ؟ فإذا قال القائل : يجوز أن يختص الحيّ بالعلم ، ويجوز أن يختص بالجهل ، وإذا اختص القديم بالعلم وجب أن يكون مفتقرا إلى مخصص . قالوا : فإن لم يلزم هذا السؤال ، لم يلزم ما قلتموه . والجواب عن ذلك أن نقول : العلم مما وجب للّه وقامت الدلالة على وجوبه له ، وانتفى الجواز عنه ، ولم يتقابل فيه جائزان . فيلزم من الاختصاص بأحدهما المخصص . وذلك أن الفعل المحكم دل على العلم ودلت استحالة تسلسل الحوادث إلى غير أول على قدم العلم . فقد ثبت إذا وجوب العلم ، وكذلك القول في سائر الصفات . وليس كذلك حد مخصوص ، فإنه لا دليل في العقل لا من جهة الفعل ولا من غيره يخصص حدا من بين الحدود . إذ سبيل إثبات الصفات على الوجوب دلالة الأفعال أو نفي النقائض . والاختصاص بحد ، لا يرشد إليه فعل ولا يدل عليه طريق انتفاء النقائض . فوضح بذلك أنه ليس بعض الحدود أولى في التجويز من بعض .